ganoobegypt
رباعيات الجنوب
.
.

وثائق العرب التاريخية.. بين حق الإفراج والعودة

بعد أن إمتلأت المكتبات الأميركية والأوروبية بالمئات منها :

وثائق العرب التاريخية.. بين حق الإفراج والعودة

* القوانين العربية تعاني من بعض الثغرات الخاصة بتشريعات الوثائق التاريخية

* معظم الدول العربية لا تزيح الستار عن المواقف الغامضة في تاريخها

* الدول الاستعمارية تتحكم فى وثائقنا لأنها أخذت على عاتقها التأريخ لتلك الحقبة

* هاجس الأمن القومي يجعل هذه الوثائق حبيسة الأدراج ،ومهددة بالإنقراض

*  حماية الوثائق الخاصة بالعلاقات الدبلوماسية بين الدول مسئولية تتحملها كل الحكومات المتعاقبة

القاهرة – الرؤية : عمر عطية – محمود عبدالمنعم - محمد رمضان 

من ليس له ماضي لا يمتلك الحاضر..ومن لا يمتلك الحاضر لا يستطيع صياغة وصناعة المستقبل..إنطلاقاً من هذه القاعدة وفي ظل مئات الأحداث والوقائع التاريخية التي تزدحم بها ذاكرة العالم العربي ،والتي عجزت عن فهم سيناريو العشرات من هذه الأحداث بسبب حالة التعتيم الشديدة التي تحيط  بالوثائق التاريخية التي من خلالها يمكن للمتخصصين والمحللين السياسيين والإقتصاديين قراءة وفك طلاسم هذه اللوغاريتمات التي تزدان بها ذاكرة أمة كانت ومازالت في قلب الأحداث والحروب الهامة. وغياب "الشفرة" أو تلك الوثائق يفرض العديد من الأسئلة التي تنضم بدورها إلى قائمة تمتلئ بعلامات الإستفهام التي لا تعرف الشعوب لها إجابة ، من حيث الهدف من الإحتفاظ بهذه الوثائق لعقود طويلة على الرغم وجود بعض القوانين التي تلزم الحكومات بالكشف أو الإفراج عن هذه الوثائق خاصة أنها ليست حكراً على الحكومات والمسئولين كونها تتعلق بأحداث ووقائع أثرت بشكل أو بآخر على حياة شعوب هذه الدول؟، وما هي الأسس التي يتم من خلالها تصنيف هذه الوثائق ، وما هو مصير الوثائق التي تحتفظ بها حكومات دول لا تنتمي للمنطقة العربية مثل الولايات المتحدة الأميركية وعدد من الدول الأوروبية التي تزدحم مكتباتها بآلاف الملفات الهامة والتي كتب عليها سري للغاية، على الرغم من أن هذه الملفات وتلك الوثائق تخص دول عربية! مثل بعض الوثائق المنتعلقة بحرب أكتوبر والغزو العراقي للكويت وأحداث الثورة الجزائرية وحريق القاهرة ....الخ. وهذه الحقائق تأخذنا إلى إشكالية أخرى وهي هل من حق الدول ومنظمات المجتمع المدني المطالبة بإسترجاع الوثائق الخاصة بالدول العربية والتي تحتفظ بها المكتبات الأميركية والأوروبية وعلى رأسها مكتبة الكونجرس الأميركة وجامعة جورج واشنطون؟.

في البداية يجب الإشارة إلى أن كل الدول تحتفظ لنفسها بوثائق ومستندات تاريخية وتحدد جملة من القوانين التي يتضمنها الدستور والتي تنظم عملية تصنيف هذه الوثائق والمدة الزمنية التي يمكن بعد إنقضائها الإفراج عن وثائقها التاريخية للمتخصصين والمواطنين.

درجة السرية

الدكتور عماد أبو غازى – أستاذ التاريخ والوثائق بكلية الاداب بجامعة القاهرة – أكد على أن كل دولة تقوم بإخضاع عملية تنظيم الوثائق التاريخية والسرية وفقا لقوانينها الخاصة والتى على أساسها يتم السماح بإظهار وثيقة خاصة بقضية تاريخية بعد مرور فترة زمنية محددة ، مشيرا إلى أن عملية تنصيف هذه الوثائق تدخل تحت درجة " سري أو سري جداً ، وبناءاً على ذلك يتم تقرير وتحديد المدة التى سيتم النشر بعدها وتختلف هذه الدرجات حسب نوعية المضمون أيضا فمضمون الوثيقة العسكري يختلف عن الثقافي أو الشخصي .

وأشار إلى أن العمر الافتراضي الذي تتبناه معظم الدول للإفراج عن الوثائق يتراوح بين " 20- 30 " عام يتم خلال هذه المدة إقرار حظر نشر تام لهذه الوثائق ومن يخالف ذلك يعرض نفسه للعقوبة التى يحددها قانون الدولة المختصة، فضلاً عن وجود ما يطلق عليه الحظر الإضافي والذى قد يصل إلى 50 عاماً وعادة ما تكون هذه الوثائق متعلقة بشخصيات محددة ويفضل مرور فترة كافية ، وهذه القواعد تعد المتعارف عليها فى معظم دول العالم الثالث ، وبالاضافة الى النوعين السابقين من الوثائق يتم إستثناء بعض الوثائق التى ترى كل دولة أن درجة سريتها مرتفعة وهنا يمكن أن تمتد فترة سريتها وعدم نشرها لأكثر من 50 عاما.

ونوه على أن الجهة التي تتلقى الوثيقة هى التي تقوم بتحديد درجة سريتها وهذه الأمور تعارف عليها أيضا فى جميع دول العالم، إلا أنه من المعروف أن القوانين العربية تعاني من بعض الثغرات الخاصة بتشريعات الوثائق التاريخية فى معظم البلدان العربية ومنها مصر لأنها تقر بإعطاء الحرية المطلقة فى بعض الأحيان للجهات التى تحتفظ بالوثائق للإفراج عنها وهذه الجهات تتعمد فى معظم الأوقات التعنت فى إخراج الوثيقة قبل أكثر من موافقة كما يحدث مع وزارة الخارجية المصرية مثلا أو أو بعض الجهات العسكرية الادارية التى تحتفظ بوثائق تاريخية سرية .

وأوضح أن المبدأ الارشيفي المتعارف عليه فى الدول المتقدمة هو ضرورة أن تؤول أى وثيقة للمركز الأرشيفى القومي الخاص بكل دولة ثم تخرج إلى النور فى نهاية الامر ، ولعل هذا ما يترجم لهفة المصريين على قيام الجهات العسكرية بالإفراح عن كثير من الوثائق الخاصة بحرب أكتوبر، فعلى الرغم من مرور 35 عاما على انتصارات أكتوبر المجيدة عام 1973 إلا أنه هناك وثائق لم يتم الافراج عنها ، خاصة وأنه قد تم التسجيل والتوثيق الكاملين لها بشهادات القادة الذين أعدوا وشاركوا فى هذا النصر العظيم الذى حققه أبناء مصر الأوفياء، من قادة وضباط وصف وجنود القوات المسلحة، وبما يوضح أن ماتم نشره واذاعته من بعض أسرار هذه الملحمة التاريخية ماهو إلا أقل القليل من البطولات والانجازات التى عكست الأداء العبقرى للعسكرية المصرية .

وذهب إلى ان عملية التوثيق التاريخى لحرب أكتوبر تمت من خلال تشكيل لجنة للتأريخ بعد حوالى عشرين عاما من الحرب للتأريخ لها بما يحقق الاستفادة من هذه الحرب على أكمل وجه، ووفقا لتقديرات البعض وصلت نتائج عملية التأرخ التى توصلت إليها اللجنة إلى ثلاثة آلاف ورقة موجودة حاليا بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع ، كما أن المؤشرات توضح أنه تم تشكيل لجنة التأريخ لحرب أكتوبر من حوالى 20 من القادة الذين اشتركوا فعلا فى مواقع رئيسية سواء فى فترة الاعداد للحرب أو العمليات أو ما بعدها ، ولقد فتحت القيادة العامة للقوات المسلحة أمام اللجنة جميع الأبواب للاطلاع على جميع الوثائق الرسمية التى كانت موجودة فى تلك الفترة بما فى ذلك توجيهات القائد الأعلى للقوات المسلحة أو هيئة العمليات وكل ماهو متعلق بتنفيذ وادارة العمليات وجميع وثائق الحرب بما فيها من سجلات وخرائط وخطط تفصيلية وسجلات المحادثات التليفونية وكل ما يتعلق بهذه الفترة والتى كانت مجمعة فى دارالمعلومات والوثائق للقوات المسلحة ، وبذلك تكون اللجنة قد حملت على أعناقها أمانة تسجيل ماحدث للأجيال القادمة باعتبار أن التاريخ أمانة ولايمكن تزييفه، مع الوضع فى الاعتبار الوصول الى الروح الخاصة بالقادة والمواقف التى لايمكن كتابتها على الورق وكيفية التصرف فى هذه المواقف.

تحفظ شديد

تعتبر الوثائق التاريخية من أهم المصادر التى يتم الإعتماد عليها فى التأريخ للأحداث التى مرت بها أى دولة من الدول، خاصة إذا كانت تلك الدولة محورية وشهدت عبر تاريخها الكثير من الأحداث التى قام بسردها بعض الشخصيات السياسية المعروفة أو المقربة من دوائر صنع القرار، إلا أن بعض الدول لديها العديد من التحفظات فى مسألة إخراج تلك الوثائق.

يقول الدكتور عادل سليمان – خبير بالمركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية – أن هناك العديد من الوثائق السياسية أو العسكرية التى تتعلق بمواقف بعض الدول من بعض القضايا الدولية التى أثيرت خلال فترة معينة والتى تفسر كيفية حدوث تلك الأحداث على هذا المنوال، فهى لديها مهم رئيسية تتمثل فى إزاحة الستار عن بعض المواقف الغامضة فى تاريخ أى دولة، وقد تتحفظ عادة بعض الدول عن الإفصاح عن بعض الوثائق التى قد تضر بتاريخها أو بعلاقاتها ببعض الدول الأخرى، أو حتى أنها تخشى من أنه إذا ما تم الإفصاح عنها فى ذلك التوقيت قد يكون لها بعض الإنعاكسات الخطيرة أو بعض التأثيرات السلبية، وبالتالى يفضل الإحتفاظ بتلك الوثائق تحت ختم الوثائق السرية جدا والتى لا يتم الإفصاح عنها تحت أى ظرف.

ويشير إلى أن بعض الدول قد نصت من خلال دساتيرها على أن العمر الذى يمكن أن تظل الوثائق لها الحق فى الحفاظ على سريتها هو 25 سنة وقد تطول تلك الفترة أو تقصر على حسب الظروف السياسية التى تمر بها الدول سواء الداخلية أو الخارجية، حيث أن تلك العناصر هى أكثر الضوابط التى تتحكم فى مدى خروج أى وثيقة إلى النور.

وأوضح أن الدول العربية لديها تحفظ شديد فى الإحفاظ عن الوثائق التاريخية التى تمتلكها حيث أنها وقعت تحت طائلة الإستعمار لفترات طويلة، وهو ما أثر بالسلب على جملة الأحداث التى تعرضت لها البلاد، فنجد أن مصر على سبيل المثال لديها حظر على الكشف عن الوثائق التاريخية يبلغ 50 سنة، بعد أن كانت 30 عاما فقط، إلا أن الدوائر المسئولة عن عملية صنع القرار رأت أن أفضل مدة زمنية لضمان سرية الوثائق يجب أن تصل إلى ذلك الحد حتى يمكن للنظم السياسية الحاكمة أن تثبت من أركان حكمها، وهو النظام المتبع فى معظم الدول العربية.

وذهب إلى أن الدول العربية لديها العديد من الوثائق التاريخية التى تحتفظ بها الدول الغربية التى كانت فى وقت من الأوقات تستعمر تلك البلاد، وتحتفظ بتلك الوثائق والمعلومات التاريخية فى خزائن سرية جدا، لا يمكن لأى شخص أى يصل إليها، ولن تستطيع أى دولة أن تحصل على تلك الوثائق دون معرفة أو تعاون مسبق مع تلك الدول.

ورفض ما نسب على لسان بعض أجهزة الأعلام بأن إسرائيل قامت بالكشف عن بعض الوثائق التاريخية الخاصة بحرب أكتوبر المجيدة، فى حين أن مصر أبدت تحفظها تجاه الأفراج عن بعض الوثائق التى تمتلكها، وعلق على ذلك قائلا أن بأن كل الوثائق المتاحة لدى مصر قامت بالكشف عنها، وأن ما ذكرته بعض أجهزة الإعلام العبرية بأن مصر تتحفظ لأن معظم التقنيات الحربية أو الإسلحة التى أستخدمتها فى حرب أكتوبر هى التى لا يزال الجيش المصرى يعمل بها حتى ذلك الوقت، هو كلام عار من الصحة، حيث أن أنظمة الدفاع فى الجيش المصرى تطورت كثيرة خلال العقود الثلاث الأخيرة، علاوة على أن التقنيات المستخدمة أصبحت مواكبة للتقنيات التى تستخدمها أفضل الجيوش الحربية فى العالم، والدليل على ذلك العروض العسكرية التى تقيمها مصر سنويا بإستخدام مجموعة من الإسلحة، كما أن مصر تبهر العالم سنويا بالعروض الحربية التى تقيمها، كما أن هذه الأشارة من قبل وسائل الإعلام أو بعض الجهات الإسرائيلية قد يكون الهدف منها الكشف عن بعض الأسلحة أو التقينات العسكرية المعمول بها فى الجيش المصرى فهى ليست إلا مناورة، علاوة على أنه ليس هناك سرية معينة فى هذه الحرب على وجه الخصوص حيث أن الأقمار الصناعية الأمريكية والروسية قد قامت برصد التحركات المعلنة والسرية للقوات المسلحة سواء من جانب مصر أو إسرائيل.

وعبر عن أن الوثائق التاريخية ليست هى المعيار الأول فى التأريخ للشعوب أو الدول، حيث أن هناك بعض الأساليب الأخرى التى الإستناد إليها فى معرفة التاريخ، كما أن هذه الوثائق التاريخية قد لا تعبر عن مصداقية مطلقة قد كتبت بها، حيث أن درجة المصداقية بها تعتمد على الشخصية التى أرخت لتلك المرحلة، أو حتى الأشخاص المشاركون فيها، علاوة على أن أى وثيقة تاريخية يتم الكشف عنها تخضع للفحص التاريخى من قبل مجموعة من علماء التاريخ أو خبراء الحفريات والأثار الذين لديهم الوسائل التى يستطيعون من خلالها الكشف عن العمر الحقيقى للوثيقة، علاوة على مدى صحتها أو خطئها، حيث أن المعلومة التاريخية من الكنوز التى يمكن أن تدفن مع الزمن والكشف عنها يصاحبه عمليات كثيرة لتصحيح التاريخ.

المصالح المشتركة

إرتباط الكثير من الوثائق التاريخية بالأحداث السياسية التى مرت بها إحدى الدول، جعل من الصعب الكشف عنها حتى ولو كان ذلك بعد مدة معينة، حيث أن بعض الوثائق التى تصنف أنه من الصعب الكشف عنها نظرا لخطورة ذلك على الأمن القومى، والسياسة العامة للبلاد، كما أن التيار الفكرى السائد فى البلاد من شأنه أن يعطل عملية الكشف عن أى وثائق على الرغم من ان ذلك يعتبر نوعا من انواع الحجر على حرية الفكر فى المجتمع.

يرى الدكتور عبد الخبير عطا – أستاذ العلوم السياسية بجامعة اسيوط – أن هناك مجموعة من الأسباب التى تقف حائلا امام الكشف عن أى وثيقة تاريخية، يأتى فى مقدمة تلك الأسباب طبيعة النظم الحاكمة فى الدول العربية والتى تتميز بأنها تظل أكبر فترة ممكنة فى الحكم فهى أطول عمرا من نظم الحكم فى دول أوروبا، والتى تقتصر مدة الرئاسة بها لحوالى فترتين فقط، مما يسمح بأمكانية الأفراج عن الوثائق والمستندات التى تظل بين أيدى المسئولين فى الدولة، علاوة على أنه لا توجد صيغة قانونية محددة المعالم فى أى دولة تمنح الوثيقة حق السرية لمدة معينة، وإذا حدد الدستور المدة نجد أن هناك شروط أخرى من بينها الحفاظ على محددات الأمن القومى وعدم المساس به، وألا تكون الوثيقة خطرا على الأمن القومى، فلابد من وجود إتجاه فكرى مستنير يعمل على توضيح كافة الوثائق المتاحة أمام الجميع فهى حرية فكرية منصوص عليها بأحكام القانون، ويجب أن يتمتع بها كل مواطن عربى.

وأضاف أن السر وراء قيام بعض الدول الكبرى بالتحكم فى الوثاثق المتاحة عن اى دولة هو أن الدول التى أستعمرت العالم القديم، أخذت على عاتقها التأريخ لتلك الحقب التاريخية، وبذلك فقد احتفظت لنفسها بتلك الوثائق التاريخية، وأنكرت أى حق للدول التى كانت تقع أمرتها فى التمتع أو الحصول على تلك الوثائق، علاوة على أن الدول قديما كانت تناهض الإحتلال فقط، فى ظل ظروف تعليمية بالغة القسوة، مما أدى إلى أن نسبة المتعلمين لم يكونوا على القدر الكبير من المكانة العلمية التى تسمح لهم بالتأريخ لشعوبهم، كما أن سياسة الأستعمار كانت تعتمد على تقريب النخب الثقافية منها، حتى لا يحدث أى تدوين ضدها، ومن هنا نجد أن أى حركة تدوين للتاريخ، أو أى وثائق غربية تكشف بعد الأبعاد التاريخية لأى دولة عربية من شأنها أن يكون بها بعض التحيز فى الرؤى، فالشخص الذى أخذ على عاتقه سرد التاريخ أو أمتلاك بعض الوثائق التاريخية قد يكون لديه رؤية منحازة إلى تجاه طرف معين، فهناك العديد من الاحداث السياسية والتاريخية التى مر بها العالم العربى، ولم يتم الحديث عنها على الأطلاق فى أى وثيقة تاريخية، على الرغم من ان العديد من الأشخاص المعاصريين لتلك الأحداث قد اكدوا وقوعها، إلا أن التفاصيل الدقيقة تظل غائبة عن الناس.

ويضيف الدكتور عبد الخبير أنه يتعين على الدول العربية أن تقوم بعمل مسح شامل على كل المخطوطات أو الوثائق التاريخية التى تمتلكها الدول الغربية حتى تستبعد أى شبهه لوجود أى إنحياز أو تشويه فى التاريخ المحلى، علاوة على ضرورة أن نرى التاريخ بأعيينا لا بأعين الآخرين، وناشد ضرورة أن تقوم الدول العربية بإقامة مركزا للبحوث أو مدؤسة عربية للتأريخ تقوم على جمع المعلومات الناريخية على حسب رواية المصادر العربية، والتى يجب أن تتسم بالحيادية.

ويستطرد قائلا أن عدم الكشف عن بعض الوثائق التاريخية قد يكون بغرض الحفاظ على المصالح المشتركة بين بعض الدول، فنجد أن الجزائر قد شهدت خلال عصورها الماضية إحتلالا فرنسيا أذاق الدولة الكثير من ويلاته، وعلى الرغم من أن الجزائر تمتلك العديد من الوثائق التى يمكنها أن تنشرها على الرأى العام المحلى والعالمى عن تلك الحقبة الهامة فى تاريخها إلا أن هاجس المصلحة المشتركة بينهما هو ما يحول دون الأفصاح عنها فى تلك المرحلة.

ويذهب إلى أننا يجب أن نؤرخ لتاريخنا الحديث بأنفسنا حيث أن هناك بعض المفاهيم المغلوطة التى قد يشهدها الغرب فى تلك الفترة، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وإختلاط مفاهيم المقاومة مع مفاهيم الأرهاب، حتى يعتبر ما تقوم به العناصر العراقية من اعمال مقاومة ضد الأحتلال أرهابا وليس مقاومة شرعية، فالتاريخ يعد أحد الأساسيات الهامة فى قراءة الواقع، فمن لم يفهم الماضى لا يستطيع أن يرى الحاضر أو أن يخطط للمستقبل، فنحن يجب ألا نمجد من الذات او نجلدها بل علينا أن نراها كما هى، وينهى حديثه عن ان هناك بعض الأحداث التى وقعت مازالت تحمل داخل طياهتها العديد من أوجه الغموض مثل مقتل السادات، أو احداث 11 سبتمبر، بعض العمليات السرية أثناء المعارك والحروب التى كانت المنطقة العربية مسرحا لها، فخروج تلك الوثائق فى الوقت المناسب لها يمكن أن يغير من وجهة نظر الناس إليها.

ليس عورة

أما المؤرخ المصرى محمد عفيفى فقال أن العالم العربى يعانى من مشكلة صريحة مع عملية الافراج عن الوثائق التاريخية المختلفة ، وهذه المشكلة نابعة من عدة أمور ياتى فى مقدمتها تصور الحكومات العربية وقاداتها ان التاريخ العربى يمثل الجزء الاكبر من الامن القومى لكل دولة عربية وكأن العالم بأسره يستهدف المنطقة العربية وفى إنتظار لأى وثيقة قد تخرج للنور ويتخذها ذريعة لإحداث إضطرابات داخلية ، وهذه  سياسة مرفوضة شكلا وموضوعا فى معظم الدول المتقدمة ومن ثم فإن هذه الرؤية تدخل فى إطار " الهاجس الامنى الذى ليس له أدنى معنى " .

ورفض فكرة الاحساس العربى الدائم بأن تاريخنا العربى عورة يجب سترها  وبالتالى لا يتم الكشف عنها ، فلى الرغم من أن هناك وثائق قد مر عليها أكثر من 70 عاما إلا أنه لم تخرج كثير من الوثائق العربية إلى النور " وهذه مجرد فوبيا غريبة " وتخوف غير مبرر من أشباح خارجية ، حتى أن الوثائق التى يتم الافراج عنها تعتبرها الجهات المسئولة لا تمس الامن القومى وبالتالى فإن عملية حبسها يجعلها تتعرض للهلاك الدائم ، مشيرا إلى أن العالم العربى فى حاجة إلى عقلية عربية نقدية سليمة تعمل على إزالة المبدا القائل بأن تاريخنا يجب إخفاءه ، وها ما يوضح أيضا أن إصدار القوانين الوثائقية تتم دون تغير لعقلية الجمود ، ومعها تختفى معالم وأركان الشفافية .

وطالب عفيفى كل من يحاول تأريخ الوثائق القومية بدراسة التاريخ جيدا ومتابعة أخر المستجدات العصرية فى مناهج التاريخ المختلفة ومن ثم يكون لديه التكوين العلمى وإلا لا يكون صالحا لعملية المتابعة المختلفة ، مشيرا إلى أنه ليس كل الوثائق الخارجية التى تظهر علينا ويتم نشرها وتناولها عبر وسائل الاعلام المختلفة تتمتع بالمصداقية الكاملة فناك وثائق بها قدر من المصداقية وأخر لا لكن الامر المؤكد أنه ليس هناك وثيقة تاريخية تتمتع بمصداقية كاملة .

وأضاف أن خطورة حجب الوثائق القومية تكمن فى أنها قد تتعرض لمخاطر تؤدى إلى ضياعها تماما ، فتقارير التحقيقات الخاصة بحريق مجلس الشورى أكدت أن من بين الوثائق التي التهمتها النيران كل المضابط البرلمانية ومحاضر اللجان منذ بداية الحياة البرلمانية عام‏1866,‏ وخرائط التصميم الهندسي لمبني مجلس الشعب ـ والذي تم بناؤه عام‏1922,‏ وأول ميكروفون تم استخدامه في قاعة البرلمان وكان مستوردا من انجلترا خلال رئاسة سعد زغلول لأول حكومة وفدية عام ‏1924، فضلا عن أن الاخطرمن ذلك ان قائمة الوثائق المحترقة شملت مضبطة الجلسة السرية لمناقشة دخول مصر حرب فلسطين عام‏1948,‏ ومضبطة الجلسة التي ناقش فيها البرلمان كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي واتهام النواب له بالكفر، كما شملت القائمة مناقشة استجواب مصطفي النحاس لوقائع الكتاب الأسود لمكرم عبيد‏,‏ ومستندات ترشيح جمال عبد الناصر لرئاسة الجمهورية عام‏1957‏ في أول مجلس نيابي بعد الثورة مجلس الأمة‏,‏ ومضابط مجلس الوحدة بين مصر وسوريا وأرشيف البرلمان‏ ، وإحتوت أيضا على وثائق إلغاء معاهدة عام ‏1936 ‏ بين مصر وبريطانيا والمضابط والوثائق الخاصة بثورة التصحيح التي قادها الرئيس الراحل أنور السادات توجد منها نسخة مصورة بمكتبة مجلس الشعب‏,‏ وأرشيف البرلمان المصري كاملا في ظل دستور‏1923‏ وحتي عام‏1952,‏ وجميع المضابط المهمة حول استجوابات الحكومة حول قضايا وطنية خلال مسيرة الحياة البرلمانية‏.

وشدد على أن دور الوثائق فى الوطن العربى تحظى على اهمية كبيرة ، وإنطلاقا من هذا الاطار فإن دار الوثائق القومية المصرية تعد واحدة من أقدم وأهم دور الأرشيف في العالم، إذ لها تاريخ طويل يرجع إلى بدايات ‏القرن التاسع عشر، حيث أنشأ محمد على أول مكان لحفظ السجلات الرسمية للدولة بالقلعة، وذلك ‏في عام 1828، ‏ وقد أطلق عليها آنذاك "الدفترخانه"، وكان هدفها جمع نتاج أنشطة أجهزة الدولة وحفظه، والتي ‏صارت بمضي الوقت تراثاً قومياً وتنظيمها تمهيداً لوضعها بين يدي الباحثين والمؤرخين.‏

وقال أنه مع قيام ثورة يوليو 1952، لم تعد محفوظات عابدين تحقق ما ينشده رجال الثورة، خاصة فيما ‏يخص أسرة محمد علي، التي كانت موضوعا رئيسيا في محفوظات قصر عابدين، وبات من ‏الضروري إعادة كتابة تاريخ هذه الأسرة ، فكان هذا هو الدافع من وراء إنشاء " دار الوثائق القومية " حيث أنشأت بموجب القانون 356 لسنة ‏‏1954، والتى حدد القانون وظيفتها في جمع وحفظ الوثائق، ثم انتقلت دار الوثائق من قصر عابدين ‏إلى مبنى خصص لها بالقلعة بالقاهرة في عام 1969، وفى عام 1990 صدر قرار رئيس ‏الجمهورية رقم 176 لسنة 1993 بشأن إنشاء هيئة مستقلة تضم دار الكتب والوثائق القومية ‏وفصلهما عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، حيث ترجع أهميتها لاحتوائها على كم هائل من المصادر الوثائقية مكتوبة باللغات العربية والتركية ‏والإنجليزية والفرنسية والألمانية فضلاً عن عدد من الوثائق باللغة الأمهرية، ‏ وهذه المجموعات تغطى الفترة من العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي، مروراً بالعصر العثماني، ‏ووصولاً إلى القرنين التاسع عشر والعشرون.‏

عملية نسبية

وحول الإشكالية التي يفرضها مصطلح السرية وهل يعني كل ما يتعلق بالوثائق العسكرية والملفات الحربية وكل ما يتعلق بأعمال التجسس فقط؟ أم أنه يعني كل ما يتعلق بالأجهزة الرسمية بالدولة في جميع المجالات والتخصصات؟..يقول الدكتور سمير صبري – أستاذ القانون العام بكلية الحقوق جامعة بني سويف- في البداية يجب الإشارة إلى أن مفهموم السرية ليس المقصود منه الوثائق الحربية سواء ما يتعلق بالحروب أو صفقات التسليح ، كما أنه لا يقتصر على أعمال الجاسوسية وحرب المخابرات فقط،بل إنه مفهوم يتسع للعديد من المجالات ويشتمل على الكثير من مناحي الحياة السياسية والإقتصادية والعسكرية والثقافية لإنه الوثائق تحمل في دلالتها مفهوم التاريخ أي أنها جزء من تاريخ الدولة ، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن هناك بعض المجالات التي تكون على درجة من السرية تستوجب درجة عالية من الحماية والحفاظ عليها أقصى فترة زمنية ممكنة بعيداً عن الناس والرأي العام ووسائل الإعلام لإن الكشف عن هذه الوثائق قد يضر بالأمن القومي للدولة ويكشف عن مناطق القوة والضعف فيها.

واستطرد قائلاً: وهناك بعض الوثائق التي تتعلق بالشئون الداخلية والخارجية للدولة وهي تلك الوثائق التي تؤرخ وتوثق لعلاقات دبلوماسية أقامتها الحكومة في مرحلة تاريخية معينة مع دولة أخرى..وقال إن هذه النقطة تأخذنا للحديث عن أن حماية الوثائق ليست مسئولية الحكومة التي وقعت في عهدها تلكل الأحداث ، ولكن هي مسئولية مستمرة وتتحملها كل الحكومات المتعاقبة.

وفيما يتعلق بالقضية التي تظهر على السطح من وقت لأخر وخاصة مع الإحتفال بنصر أكتوبر المجيد الذي تحقق عام 1973 وهي قضية عدم قيام الحكومة بالكشف عن الوثائق السرية الخاصة بهذه الحرب سواء تلك التي تتضمن معلومات عن فترة الإعداد أو وقت الحرب أو ما حدث بعدها من الدخول في مفاوضات وإتفاقيات مع العدو الصهيوني.فإن الحقيقة التي يجب التأكيد عليها هي أن المادة 33 من الدستور المصري قد نصت على أن المدة الزمنية التي يجب بعدها الإفراج عن الوثائق السرية المتعلقة بالعلاقات الديبلوماسية أو الحالة السيادية أو وثائق الحروب، هي 30 عاماً فقط.

وتساءل عن هذه الضجة التي يتم إثارتها من وقت لآخر حول هذه الوثائق على الرغم من أن السنوات القليلة الماضية قد شهدت الكشف عن عدد كبير من هذه الوثائق،مشيراً إلى أن هناك مطالبات لا تهدف إلا إلى إثارة البلبلة والبحث عن الشهرة،لدرجة أن الشخص الذي يطالب بالإفراج عن الوثائق لا يستطيع تقديم مبرر منطقي لهذه المطالبات،أو تحديد مدى الإستفادة التي ستعود على المواطنين والمتخصصين إذا تحقق له ما يريد!.

وأوضح الدكتور سمير صبري أن الدستور قد أعطى للحكومة والجهات السيادية الحق في الإحتفاظ ببعض هذه الوثائق وعدم الكشف عنها في حالة وجود بعض المخاوف أو المخاطر التي قد تنتج من وراء إظهار هذه الأوراق السرية التي من شأنها الإضرار بالأمن القومي على المدى القريب أو البعيد.

واختتم حديثه مؤكداً على أن كل دولة من حقها تحديد المدة الزمنية التي تراها بعد موافقة الجهات المسئولة والتي تشارك في عملية إصدار القوانين أو إدخال بعض التعديلات عليها لإن المدة الزمنية عملية نسبية حسب رؤية كل دولة.وقال إن هذه الجهات ومن أمثلتها البرلمان من حقها مطالبة الحكومة بالكشف عن بعض الوثائق أو محاسبة الحكومة على عدم إظهارها ومطالبتها بتقديم المبررات القانونية لذلك.

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.