ganoobegypt
رباعيات الجنوب
.
.

من العبارة إلى الشورى.. وأخيراً المسرح القومي

 

الحرائق..تكشف "الستارة" التي تختفي ورائها الحكومة

 

 

القاهرة – الرؤية – عمر عطية: محمود عبد المنعم:

 

موعد جديد مع الأزمات والحرائق، والتى منيت بها مصر فى الفترة الأخيرة، فما لبثت أن هدأت نيران مجلس الشورى وبدأت الدولة مرحلة إعادة البناء مرة أخرى، حتى ألتهمت ألسنة اللهب أحد صروح الثقافة فى مصر والوطن العربى وهو المسرح القومى.. وما بين مئات الضحايا التي إلتصقت أجسادها بالسكك الحديدة، إلى المئات التي إرتوت من مياه الفساد حتى غرقت في عبارة السلام 98 ،إلى حريق الشورى الذي سقطت معه حصانة مصر في قلب النيران، وصولاً إلى الحريق الذي التهم المسرح القومي يوم السبت الموافق 28 سبتمبر، ومع تكرار هذه الأزمات أصبح الشعب المصري يدور في فلك الكوارث فلا يمر شهر إلا وتحدث كارثة تسيل لها الدموع وتتعالى معها صرخات الغضب والمطالبة بإقالة الحكومة التي تشارك في كل هذه الأزمات والكوارث فتارة بإصرارها على التمسك بسياسة الفساد وإمتهان كرامة المواطن، وتارة أخرى بتقاعسها عن التدخل الفوري للحيلولة دون تفاقم نتائج الكوارث سواء من حيث عدم وجود وسائل إنقاذ سريعة ومدربة بالشكل الذي يجعلها قادرة على إخماد ألسنة النيران أو إنقاذ الغرقى بل إنها عجزت عن مواراة الضحايا الثرى إعمالأً بالمثل القائل "إكرام الميت دفنه"!..إلتهم الحريق المسرح القومي ولم يبقى للحكومة إلا الدعاء أن تبقى الستارة بعيداً عن النيران حتى تخفي وراءها أتلال من الفساد والفضائح.

ووقد إندلع الحريق في مبنى المسرح بالتزامن مع إنطلاق مدفع الإفطار وكالعادة فإنه تم إلقاء التهمة على المغضوب عليه دائماً وهو الماس الكهربي الذي أصبح ضيف الشرف في كل كارثة ولم يتخلف عن الحضور إلا مرة واحدة وهي نكسة يونيو 67!.

حيث ذكر بعض مسئولي الدفاع المدني أن الشرر قد نتج من تابلوه الكهرباء بالمسرح وعندما حاول أحد العمال التعامل معها انفجرت مما أدى لاشتعال الستارة الرئيسية، لكن سيارات الإطفاء حضرت وتعاملت مع الموقف عقب دقائق من نشوب الحريق، وتمكنت قوات الدفاع المدني بمساعدة من قوات الجيش من إخماد الحريق الذي استمر لعدة ساعات وتم السيطرة عليه.

وعلى الرغم من التأكيدات المستمرة من جانب بعض مسئولي الدفاع المدني من أن الحريق إلتهم القبة الرئيسية والقاعة الكبرى فى المسرح القومى، إلا أن فاروق حسني - وزير الثقافة المصري والمرشح لمنصب رئيس منظمة اليونسكو- نفى هذا الكلام في أول تصريح له عن الحادثة، مؤكداً أن العناية الآلهية تدخلت وأنقذت المسرح القومي من الدمار وأن الخسائر من المعاينة الأولية عبارة عن احتراق الستارة وجزء بسيط من الخشبة الرئيسية للمسرح نتيجة سقوط السوفيتة عليه، وهو الحامل الضخم الذي تعلق عليه أجهزة الإضاءة، إضافة لبعض اللوحات الجبس التي صنعت فى السبعينيات.

إقالة الوزير

بعض فناني المسرح الذين تربوا داخله، ونمت فيه موهبتهم عبر التاريخ ومن خلال العروض المسرحية الكثيرة التى ما زالت بصماتها بارزة على  خشبة المسرح، حزنوا كثيرا لما تعرض له بيتهم الفني الكبير وطالبوا بوجود محاسبة حقيقية للمتسببين فى تلك الكارثة، وقد وصلت ردود الافعال الغاضبة إلى حد المطالبة باستقالة وزير الثقافة فاروق حسني حيث أن كثير منهم يعتبر أن تلك الحادثة تعتبر النقطة السوداء الثانية فى تاريخه منذ توليه مقعد الوزارة بعد حادثة إحتراق مسرح بني سويف بصعيد مصر والذي تفحتمت بداخله مواهب شابة كانت تسير بخطى ثابتة في طريق الفن والإبداع، وأعتبروه متسببا فيها بسبب عدم قدرته على الدفاع عن رموز الحركة الثقافية فى مصر.

ومن هؤلاء الفنانين سميحة أيوب سيدة المسرح العربى التي طالبت بمحاسبة المسئولين وضرورة محاسبة النفس بعد كل هذه الإنتكاسات التي تحيط بالشعب المصري وتنال من كل تاريخه السياسي والثقافي .

وتسائلت من هو المسئول الحقيقى وراء هذه الكارثة، وهل سيكون هناك شخصية تحاسب عن هذا الجرم فى حق تاريخ مصر الثقافي أم أن الحريق سيمر مرور الكرام شأنه شأن العديد من الكوارث التى حدثت ولم نرى الفاعل الحقيقى.

"كان قبلة لكل الفنانين"..بهذه الكلمات عبر الفنان خليل مرسي عن حزنه الشديد عندما سمع بالخبر وشاهد النيران وهي تلتهم جهود العديد من أساتذة الفن والمسرح الذين احتضنوا هذا الصرح الثقافي كما احتضنهم في سنواتهم التمثيلية الأولى ، وأشار إلى وجود تقصير كبير فى عملية إطفاء المسرح، على الرغم من أن نقطة الأسعاف الرئيسية لمحافظة القاهرة بأكلمها لا بتعد سوى حوالى 100 متر عن موقع الحادث لكن التراخى فى أداء المهام والواجبات أدى إلى أن تطول النيران كافة القاعات الخاصة بالمبنى.

مسلسل الإهمال

متى يتوقف قطار الكوارث..سؤال يفرض نفسه بقوة في الشارع المصري الذي ما زال ينتظر الكثير من أعضاء مجلسي الشعب والشورى وخاصة النواب الوطنيون الذين رفعوا شعار الإسلام هو الحل.

وفي هذا الإطار يقول ا صبحى صالح – عضو مجلس الشعب عن الإخوان المسلمين – إن حريق المسرح القومي ما هو إلا حلقة من  مسلسل الإهمال الذى تقوم ببطولته الدولة وتلعب خلاله جميع الأدوار،إلا دور الضحية الذي تركته للشعب!، فالدولة لم تتعظ من درس مجلس الشورى والذي راح ضحيته أحد المبانى التاريخية الهامة فى مصر والذي يمثل أحد جناحي الحياة السياسية والتشريعية في الدولة.

ويضيف أن الدولة عقب حريق مجلس الشورى أكدت على البدء فى خطة تأمين شاملة لجميع الأبنية التاريخية فى قلب القاهرة والتى قد تواجه خطر الحرائق نظراً لوقوعها ضمن منظومة متكاملة من الإهمال والزحام المروري وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة السيطرة على أي حريق قد تتعرض له إحدى هذه المباني، خاصة في ظل خلو بعضها من أجهزة الإنذار المبكر، لكن يبدو أن الخطة التى طرحتها الحكومة لم تبدأ بعد؟!، وتساءل مستنكراً لماذا لا تحاول الحكومة تغيير خطابها الإعلامي الذي ينطلق مع وقوع أي كارثة ، فدائما ما يؤكد المسئولين أن المبنى يحتوي على أجهزة إنذار مبكر ويتمتع بكل وسائل التأمين التي تم إستيرادها من أوروبا، وهو نفس السيناريو الذي حدث فور إنطلاق الشرارة الأولى في جسد المسرح القومي، حيث سارع المسئولين بالتأكيد على أن  المبنى يحتوي على نظام متكامل لتأمين الحرائق و أجهزة إنذار ومكتشفات حريق تم زرعها أسفل أرضيات المسرح الخشبية وفى جدرانه، وعلى فرض صدق هذه التصريحا فلماذا لم تعمل هذه الأجهزة وترد على المشككين في كلام الحكومة والذي تتمهم دائماً بأنهم اعداء الوطن وأنهم ينتقدون المسئولين بهدف الشهرة الإعلامية؟!

وأشار إلى أن العديد من أعضاء البرلمان قد طالبوا بإنشاء وزارة للأزمات والطوارئ على خلفية تلك الحوادث، إلا أنني أرى أن الأفضل هو  إقالة تلك الحكومة التى فشلت فى الدفاع عن بعض مبانيها التاريخية والتى فقدتها نتيجة الإهمال، فضلا عن وقوفها دائماً مكتوفة الأيدى أمام تلك الحوادث وعجزها عن إحكام السيطرة على الحرائق مما يؤدي إلى ضياع معالم تلك الأبنية بالكامل.

فلسفة الأزمات

ولا يختلف موقف نواب الإخوان عن غيرهم من المستقلين، وهو ما يؤكد عليه الدكتور جمال زهران – أستاذ العلوم السياسية وعضو مجلس الشعب – في حديثه عن هذه الكارثة قائلاً: إن حرائق مجلس الشورى والمسرح القومى ووقوع أزمة الدويقة والتى راح ضحيتها أكثر من مئة شخص حتى الآن فضلا عن تشريد آلاف الأسر من أبناء المنطقة،من شأنها أن تنزع الثقة من الحكومة، التي لا تريد أن تعترف بفشلها ومازالت تحاول الهروب من الحقيقة المرة وهي أن الناس أصبح لديها أحساسا بأن الحكومة باتت عاجزة أمام مواجهة الكوارث.

واستطرد قائلاً أعتقد أن الحكومة تفتقد إلى فلسفة إدارة الأزمات وتضيع الكثير من الوقت في الحديث لأيام متواصلة عن التبرير و التذرع بالقضاء والقدر أمام حدوث أي مشكلة مثلما حدث في كارثة الدويقة التي ألقت الحكومة باللوم فيها ا على الجبل وغضب الطبيعة!، والأهالى الذين رفضوا الخروج من المنطقة.

 وأرى أن الحكومة لو قامت بإدخار هذا الوقت في البحث عن حل للمشكلة لكان أنفع لها ولأهالي، فكوراث وأزمات إنهيار العمارات السكنية يتم إطلاق صيحات أن المسألة عبارة عن قضاء وقدر حيث أن كل ذلك محكوم بحكم غير إنساني ولا دخل للعنصر البشرى فيه، ونترك السبب الرئيس فى الأزمة وهو غياب الذمم لدى معظم المهندسين فى المحليات التي انتشرت فيها الرشاوي ومخالفة تصاريح البناء.

ويؤكد على أن الحكومات التي تفشل في إدارة البلاد والشعوب في وقت السلم والأمان لا يمكن أن ننتظر منها أداءا جيدا في تعاملها مع الأزمات، لإن الإدارة والنجاح لا يتجزأ.

وعن توقعاته لسيناريو الأحداث في حادثة إحتراق المسرح القومي، قال جمال زهران السيناريو لن يختلف كثيراً عن إطار أن  أسباب الحريق والدوافع ستظل مجهولة، أو سيتم إلقاء التهمة على أحد الأشخاص المسئولين عن الدفاع المدني بالمسرح، كما فعلت الدولة فى حريق مجلس الشورى، ويستطرد أن هذه ليست أول حادثة تطول معلم من معالم الثقافة فى مصر ، حيث نرى أن محرقة بنى سويف كانت البداية مع سقوط الثقافة فى بؤرة النسيان من جانب المسئولين.

مخاطر إجتماعية

لاشك أن الأزمات والكوارث لها العديد من التأثيرات على البناء الاجتماعي والعلاقات المتبادلةبين أفراد المجتمع،وبين المواطن والمسئولين،وفي هذا الشأن تقول الدكتورة سهير عبد العزيز – أستاذ علم النفس والإجتماع بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر –  إن دراسة الأزمات من الحقول المهمة التي يهتم بها علماء النفس والإجتماع بسبب تأثيرها المباشر وغير المباشر على المنظومة الإجتماعية، وتعتبر هذه الدراسات مهمة جداً لصانع القرار لإنها  تعمل على تحديد ردود الفعل الاجتماعية، والسلوكيات الاجتماعية ودراستها أثناء مواجهة الأزمات، والأثار النفسية الناتجة عن ذلك والتي قد تتخذ أشكالاً متنوعة، كالارتباك والصدمة والقلق والتوتر وعدم التوازن وفقدان الثقة وهو الأمر الذي ينعكس على الإنسان ويؤثر سلباً على حياته اليومية وكيفية التعامل مع الضغوط النفسية الواقعة على عاتقهم، والأزمة إذا لم يتم إدراكها سريعا تنتقل إلى المرحلة التالية من حيث الخطورة وهى الكارثة والتى تؤدى إلى حدوث العديد من الخسائر في الموارد سواء البشرية والمادية، وتتعدد أسباب الكوارث، فقد تكون طبيعية مثل: الزلازل والبراكين والحرائق أو تكون بشرية، مثل الصراعات الإدارية، أو تراكم المشكلات في الهيكل التنظيمي.

وترى أن الكوارث بكل أشكالها وصورها لا تعتبر مشكلة في حد ذاتها ولكن المشكلة الحقيقية هي طريقة تعامل الأجهزة الرسمية والأهلية ومنظمات المجتمع المدني مع الكوارث ، فإذا كان الإهمال هو الصفة المميزة لأداء واحدة من هذه المؤسسات أصبحت السيطرة على الكارثة وتدارك خطورتها حلم بعيد المنال، ولو أخذنا في الإعتبار أن الإهمال هو القاسم المشترك بين مختلف المؤسسات لأدركنا حجم المأساة التي تحيط بالمواطن.

وقالت إن متابعة الطريقة التي تعاملت بها الأجهزة الرسمية مع الكوارث التي شهدتها مصر خلال العشر سنوات الأخيرة والتي كان أخطرها وأقربها إلى الذاكرة  الحريق الهائل الذي إندلع بمبنى دار القضاء العالي بوسط العاصمة المصرية القاهرة في  مارس 2008 والذى طال مكاتب التوريدات والسجن الموجود بالمقر مما هدد بفقد آلاف الوثائق المهمة ، ثم غرق العبارة السلام 98 وحريق الشورى وإخيراً المسرح القومي، كل هذه الأحداث تؤكد على حقيقة أننا حكومة تفتقد إلى فن إدارة الأزمات وإصرارها على عدم إنشاء وزارة أو هيئة تختص بهذه القضية الحيوية يؤكد أن الحكومة لا تعترف بحقوق مواطنيها.

 
 

(0) تعليقات

أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.